نظارة Meta “بافن”: أبرز تسريبات مشروع الواقع الممتزج الذي يعيد رسم خطط الشركة لعام 2027
من "بافن" إلى "لوما" ثم "فينكس"... رحلة مشروع غيّر خطط Meta بالكامل

تتوالى التسريبات منذ أكثر من عام حول مشروع طموح تعمل عليه شركة Meta في مختبرات Reality Labs، يحمل اسمًا رمزيًا مستعارًا من اسم طائر بحري هو “بافن” (Puffin)، ويُنظر إليه باعتباره محاولة الشركة لإعادة تعريف شكل أجهزة الواقع الممتزج بعد سنوات من الاعتماد على سماعات رأس ثقيلة نسبيًا مثل Quest. ورغم أن Meta لم تؤكد رسميًا أي تفاصيل حول الجهاز حتى الآن، فإن سلسلة التقارير المتتالية من مصادر مطّلعة، إلى جانب تسريبات تصميمية من مصادر متخصصة في عالم الواقع الافتراضي، رسمت صورة شبه متكاملة عن طبيعة هذا المشروع ومستقبله.
تمديد الجداول الزمنية ليس فرصة لإضافة مزيد من الميزات أو العمل الإضافي، بل لضبط التفاصيل بجودة أعلى ماهر سابا، نائب رئيس مختبرات الواقع الافتراضي في Meta
كيف بدأت قصة “بافن”؟
تعود أولى الإشارات إلى هذا المشروع إلى أواخر عام 2024، حين أفادت تقارير بأن Meta أوقفت خططها لتطوير سماعة رأس متطورة للواقع الممتزج كانت تحمل الاسم الرمزي “لا جولا”، لتتجه بدلًا من ذلك نحو تطوير نظارة خفيفة الوزن للواقع الممتزج أُطلق عليها اسم “بافن”. ولم يكن الأمر مجرد تكهنات عابرة، إذ أكد كبير مسؤولي التقنية في الشركة آندرو بوسوورث لاحقًا صحة هذه التقارير في تصريحات لموقع The Verge، وهو ما أعطى المشروع مصداقية إضافية ووضعه على رادار متابعي صناعة التقنية.
الفكرة الأساسية: نظارة خفيفة ووحدة حوسبة منفصلة
يقوم التصور الأساسي لمشروع “بافن” على مبدأ مختلف جذريًا عما اعتادت عليه Meta في سلسلة Quest، إذ تسعى الشركة إلى تقليص وزن الجهاز الذي يوضع على الرأس إلى أدنى حد ممكن، عبر نقل أكثر المكونات استهلاكًا للطاقة والحرارة – أي المعالج والبطارية – إلى وحدة خارجية منفصلة يمكن حملها في الجيب، ويُطلق عليها اسم “compute puck” أو وحدة الحوسبة المحمولة. وبحسب التقارير، يعود جزء من سبب الوزن الخفيف اللافت لجهاز بافن إلى نقل كل من البطارية وعتاد الحوسبة إلى وحدة خارجية متصلة سلكيًا، تأمل Meta أن تكون صغيرة بما يكفي لتوضع في جيب المستخدم.
وللتدليل على حجم هذا الفارق، فإن سماعة Meta Quest 3 الحالية يبلغ وزنها نحو 515 غرامًا، في حين تسعى الشركة إلى نقل البطارية ومعظم عتاد الحوسبة إلى وحدة خارجية متصلة بالجهاز عبر سلك. أما الوزن المستهدف للنظارة نفسها، فبحسب أحدث التقارير فإنها تزن نحو 100 غرام تقريبًا، ومن المتوقع أن تأتي بشاشات أقل دقة وقدرات حوسبة أضعف مقارنة بسماعات متطورة مثل Apple Vision Pro، علمًا أن سماعة Vision Pro نفسها يبلغ وزنها نحو 650 غرامًا، ما يوضح حجم الفجوة التي تسعى Meta لسدها لصالح الراحة اليومية.
| الجهاز | الوزن التقريبي | مكان الحوسبة والبطارية |
|---|---|---|
| Meta Quest 3 | نحو 515 غرامًا | داخل السماعة |
| Apple Vision Pro | نحو 650 غرامًا | بطارية خارجية سلكية، معالج داخل السماعة |
| Meta “بافن / فينكس” (متوقع) | نحو 100-110 غرامات | وحدة حوسبة خارجية كاملة (puck) |
لماذا وحدة الحوسبة الخارجية تحديدًا؟
لم يكن قرار فصل وحدة الحوسبة عن النظارة قرارًا سهلاً داخل Meta، إذ تشير التقارير إلى نقاشات داخلية حول جدواه. فبحسب ما ورد، قررت الشركة الإبقاء على وحدة الحوسبة الخارجية رغم بعض التشكك من جانب قيادات الشركة، وذلك تجنبًا لمشكلة ارتفاع حرارة الجهاز والحفاظ على خفة وزنه. ويُفترض أن تتولى هذه الوحدة الجزء الأكبر من عبء المعالجة، بينما تقتصر مهمة النظارة نفسها على العمل كمنظومة عرض واستشعار، وهو تصميم قد يحل إحدى أكبر العقبات أمام انتشار تقنيات الواقع الممتد، المتمثلة في الراحة أثناء الاستخدام لفترات طويلة.
المواصفات المسربة: العدسات والشاشات والتحكم
تشير التسريبات إلى أن الجهاز لن يكون سماعة واقع معزز بالمعنى الدقيق، بل سيعتمد على عدسات “بانكيك” (pancake) المستخدمة عادة في شاشات الواقع الافتراضي، إلى جانب كاميرات لتمرير الرؤية الخارجية (passthrough). وبحسب مصادر متابعة لتسريبات الواقع الممتد، فإن Meta تدرس استخدام شاشات micro-OLED مع عدسات بانكيك، ودقة قد تصل إلى 2560×2560 بكسل لكل عين.
أما في ما يخص التحكم، فقد بيّنت التقارير أن الجهاز لن يأتي مزودًا بوحدات تحكم يدوية منفصلة، بل سيعتمد بشكل كامل على نظام تتبع حركة العين والإيماءات، على غرار طريقة التحكم “بالنظر والقرص” التي قدمتها Apple في Vision Pro. ومن الناحية البرمجية، من المرجح أن يعمل الجهاز بنفس نظام Horizon OS المستخدم في سماعات Quest الحالية، مع تركيز تسويقي أكبر على الشاشات الافتراضية باعتباره بديلاً محمولاً للشاشات التقليدية. وتتماشى هذه الرؤية مع الاستخدامات المتوقعة للجهاز، والتي تشمل بحسب التحليلات المتداولة مساحات العمل الافتراضية، وبيئات الإنتاجية متعددة الشاشات، وتجارب مشاهدة المحتوى التي قد تحل محل الشاشات التقليدية، بما يتيح للمستخدمين إنشاء شاشات افتراضية كبيرة دون الحاجة لشاشات فعلية. كما يبدو أن الشركة تنحو باتجاه استخدامات الإنتاجية والوسائط أكثر من الألعاب، إذ إن التركيز منصب على الوسائط والإنتاجية والاستخدام اليومي، وليس على الألعاب بالدرجة الأولى.
رحلة الأسماء: من بافن إلى لوما ثم فينكس
واحدة من أكثر النقاط إرباكًا في هذا المشروع هي تعدد الأسماء الرمزية التي ظهرت له عبر الوقت، ما جعل متابعة التسريبات أمرًا معقدًا نوعًا ما. فبعد أن انطلق المشروع باسم “بافن”، ظهر لاحقًا اسم رمزي جديد هو “لوما” (Loma)، إذ برز هذا الاسم الرمزي أول مرة في عام 2025 كتطوير لاحق لمشروع بافن، مع الحفاظ على فكرة وحدة الحوسبة الخارجية وتتبع حركة العين، وتركيز أكبر على الإنتاجية والاستخدامات المؤسسية. ثم جاء اسم ثالث هو “فينكس” (Phoenix)، والذي ظهر في وثائق داخلية للشركة في ديسمبر 2025، ويُرجَّح أنه يمثل الرؤية النهائية للمنتج. ومن غير المرجح، بحسب المتابعين، أن تطلق Meta ثلاثة أجهزة منفصلة لاستخدامات متشابهة إلى هذا الحد، ما يعني أن الأسماء الثلاثة على الأرجح تشير لمراحل تطوير متعاقبة لمشروع واحد لا لثلاثة منتجات مستقلة.
وقد ظهرت في الأشهر الأخيرة تسريبات تصميمية استندت إلى نماذج مصغرة رسمها متابعون متخصصون في مجال الواقع الافتراضي بناءً على ما وصفوه بمشاهدتهم نماذج تطويرية حقيقية للجهاز. فقد ذكرت إحدى المسربات المعروفات باسم “لونا” أنها شاهدت نماذج تطويرية لسماعة Meta الخفيفة المرتقبة في النصف الأول من 2027، وأن تصميمها يبدو أصغر بكثير من سماعة Quest 3 الحالية، أقرب إلى نقطة وسطى بين نظارات ذكية مثل Xreal One Pro وسماعة واقع افتراضي كاملة. كما نشرت مسرّبة أخرى تُعرف باسم “نوري” تصورًا لوحدة الحوسبة الخارجية نفسها، إذ أوضحت أن تصورها مستند إلى نماذج فعلية شاهدتها، وأنه يتضمن مشبكًا لحزام الخصر وفتحة تهوية للتبريد أعلى الوحدة.
التأجيل إلى 2027 وما وراءه
لم يسر تطوير المشروع بسلاسة كاملة، إذ تكشف التقارير عن تأجيل موعد إطلاقه أكثر من مرة. فبعدما كان مقررًا في الأصل إطلاقه خلال عام 2026، أعلنت Meta تأجيل إطلاق نظارة “فينكس” – الاسم اللاحق لبافن – إلى عام 2027، إذ كان الإطلاق مقررًا في الأصل للنصف الثاني من 2026 قبل أن يُؤجَّل إلى النصف الأول من 2027. وجاء هذا القرار عبر مذكرة داخلية وُجهت للموظفين، أوضحت أن الشركة تريد وقتًا إضافيًا لضمان جودة المنتج بدل التسرع في إطلاقه. وفي هذا السياق، صرّح أحد مسؤولي مختبرات الواقع الافتراضي في الشركة بأن الفرق المعنية ستحتاج إلى تعديل خططها الزمنية، مؤكدًا أن تمديد الجداول الزمنية ليس فرصة لإضافة مزيد من الميزات أو العمل الإضافي، بل لضبط التفاصيل بجودة أعلى.
ويرتبط هذا التأجيل بتحول استراتيجي أوسع داخل الشركة، إذ تشير تقارير أخرى إلى أن Meta تعطي الأولوية حاليًا لسماعة فائقة الخفة مزودة بوحدة حوسبة وبطارية منفصلة، بدلًا من سماعة Quest Pro 2 التقليدية التي جرى إلغاؤها بالفعل. بل إن هذا التوجه امتد ليشمل حتى الجيل التالي من سماعة Quest الأساسية، إذ قد لا تشحن Meta جهاز Quest بتصميمه التقليدي حتى عام 2027، مع تركيز جهودها الحالية على شحن سماعة خفيفة الوزن تعمل بنظام Horizon OS ومزودة بوحدة حوسبة منفصلة خلال عام 2026.
السعر المتوقع وساحة منافسة محتدمة
حتى الآن لا يوجد أي تأكيد رسمي من Meta بشأن السعر، لكن التحليلات المتداولة تشير إلى نطاق سعري متوقع. إذ يرى بعض المتابعين المتخصصين أن السعر المرجح سيكون في حدود 1300 إلى 1400 دولار أمريكي، أي أقل بأي حال من الأحوال من منافس مثل مشروع “أورا” (Project Aura) الذي تطوره Google بالشراكة مع Xreal، والمتوقع أن يصل سعره إلى نحو 1500 يورو. وتبقى هذه الأرقام تقديرات غير مؤكدة رسميًا، وقد تتغير بحلول موعد الإطلاق الفعلي.
ويأتي هذا التوقيت في وقت تشهد فيه سوق أجهزة الواقع الممتد والنظارات الذكية تحركات متسارعة من مختلف الشركات الكبرى. فمن جهة، تستعد Samsung لإطلاق “Galaxy Glasses” العاملة بنظام Android XR، وهي نظارات يُتوقع أن تعمل بنظام Android XR مع تكامل عميق مع مساعد Gemini، وتقدم ميزات ذكاء اصطناعي بدون استخدام اليدين مثل التقاط الصور والترجمة الفورية والملاحة وتشغيل الموسيقى والمساعدة الصوتية. ومن جهة أخرى، تواصل Google تطوير نظاراتها الخاصة بالتعاون مع Warby Parker وGentle Monster، إلى جانب مشروع “أورا” مع Xreal الذي يقدم نظارات عرض قادرة على تشغيل تطبيقات Android XR بطريقة تحاكي سماعة واقع ممتزج كاملة. أما Apple فتُشير التقارير إلى أنها مهتمة أيضًا بتطوير نظارات واقع معزز خفيفة الوزن، ما يجعل بافن أحد عدة رهانات متوازية تتنافس فيها كبرى شركات التقنية على مستقبل الحوسبة القابلة للارتداء.
لماذا كل هذه الضجة حول جهاز لم يُطلق بعد؟
يعود جانب كبير من الاهتمام بمشروع “بافن” إلى كونه يمثل مراجعة استراتيجية جذرية لنهج Meta بالكامل في تصميم أجهزة الواقع الممتد، بعدما ظل التركيز لسنوات منصبًا على رفع أداء سماعات Quest دون تغيير جوهري في شكلها أو وزنها. كما أن قرار إلغاء مشروع سماعة متطورة بالكامل مثل “لا جولا”، وتأجيل الجيل التالي من Quest نفسه، يعكسان حجم الرهان الذي تضعه الشركة على فكرة النظارة الخفيفة ذات وحدة الحوسبة المنفصلة. يُضاف إلى ذلك أن دخول منافسين أقوياء مثل Samsung وGoogle وApple إلى ساحة النظارات الذكية والواقع الممتد في التوقيت نفسه تقريبًا، يجعل من نجاح أو فشل هذا المشروع مؤشرًا محتملًا على اتجاه الصناعة بأكملها خلال السنوات المقبلة، وليس فقط على مستقبل منتج واحد من Meta.
خاتمة
يبقى مشروع “بافن” – بمسمياته المتعاقبة لوما وفينكس – أحد أكثر مشاريع الواقع الممتد إثارة للفضول في الوقت الراهن، نظرًا لما يحمله من مقاربة مختلفة تعتمد على فصل الحوسبة عن الرأس سعيًا لتحقيق راحة أكبر في الاستخدام اليومي. ومع ذلك، تبقى كثير من التفاصيل الدقيقة – من التصميم النهائي إلى السعر الفعلي – رهينة تسريبات غير مؤكدة رسميًا حتى تاريخه، وسط تأجيل واضح لموعد الإطلاق إلى عام 2027. وحتى ذلك الحين، سيظل الجهاز محط متابعة دقيقة من مهتمي التقنية، باعتباره أحد أبرز المؤشرات على الاتجاه الذي قد تسلكه أجهزة الواقع الممتد في السنوات القادمة.







